توضح إليزابيث د. ساميت في مقالها المنشور في مجلة Foreign Affairs أن استخدام التاريخ في صنع القرار السياسي سلاح ذو حدين؛ فالتشبيهات التاريخية قد تساعد على الفهم لكنها قد تقود أيضًا إلى أخطاء كارثية إذا أُسيء استخدامها، كما حدث في حرب فيتنام. وتناقش الكاتبة تطور مفهوم “التاريخ التطبيقي” الذي يدعو إلى استخدام الماضي بشكل نقدي عبر مقارنة أوجه التشابه والاختلاف، وليس عبر إسقاطات سطحية. ومن خلال تحليل كتاب أود آرني ويستاد، تشير إلى أن العالم الحالي يشبه إلى حد كبير مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى، حيث يتسم بتعدد الأقطاب، وتصاعد القومية، والشك المتبادل، والتوترات التكنولوجية والاقتصادية. وتحذر من “مفارقة الاستعداد”، حيث يؤدي الخوف من الحرب إلى سياسات وتسليح يزيدان احتمال وقوعها، خاصة مع تسارع التكنولوجيا مثل الذكاء الاصطناعي. كما تنتقد الوهم المعاصر بإمكانية السيطرة على الحرب، مؤكدة أن التجربة التاريخية والأدبية تظهر أن الحرب قوة منفلتة تتجاوز قدرة الإنسان على التحكم بها. وتخلص إلى أن فهم التاريخ بشكل عميق ونقدي هو أداة أساسية لتجنب تكرار الكوارث الكبرى، خاصة في ظل تصاعد التنافس بين القوى العظمى مثل الولايات المتحدة والصين.
هل الولايات المتحدة والصين محكومتان بتكرار التاريخ؟

Are America and China Condemned to Repeat History?​

إن التاريخ، عندما يقع في أيدي صانع القرار، يمكن أن يكون أمرًا خطيرًا. فعندما يستدعي المسؤولون تشبيهًا تاريخيًا خاطئًا—أو يسيئون تفسير تشبيه مناسب—في عملية اتخاذ القرار، قد تكون العواقب كارثية. وخلال حرب فيتنام، على سبيل المثال، رأى بعض القادة الأمريكيين في هو تشي منه، زعيم فيتنام الشمالية، نسخة أخرى من أدولف هتلر. وقد ساهم هذا التشبيه في تغذية مغامرات الولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا، إذ جعل أي تسوية في فيتنام تبدو وكأنها تكرار لسياسة الاسترضاء سيئة السمعة في اتفاقية ميونيخ عام 1938. وقد أصبح هذا المثال محورًا أساسيًا في كتاب إرنست ماي التحذيري لعام 1973 “دروس من الماضي”. دعا ماي إلى مقاربات أكثر دقة في استخدام السوابق التاريخية، واعتبر أن التشبيهات يمكن استخدامها بشكل مسؤول وفعّال “لتحديد معايير الاختيار بدلًا من الإشارة إلى ماهية القرار الذي يجب اتخاذه”.

وبعد ثلاثة عشر عامًا، في عام 1986، تعاون ماي مع ريتشارد نوستادت لنشر كتاب “التفكير عبر الزمن”، وهو دليل لصناع القرار. وبدلًا من البحث عن تشبيهات مثالية، اقترحا أن يحقق صناع القرار نجاحًا أكبر إذا نظروا ليس فقط إلى أوجه التشابه، بل أيضًا إلى الفروق الحاسمة بين الحاضر والنماذج التاريخية المحتملة. وبناءً على هذا العمل، أطلق الباحثان غراهام أليسون ونيال فيرغسون في عام 2016 مشروع “التاريخ التطبيقي” في مركز بلفر بجامعة هارفارد. ويعرّفان هذا المفهوم بأنه “محاولة صريحة لإلقاء الضوء على التحديات والخيارات الحالية من خلال تحليل السوابق والنظائر التاريخية”.

ويمثل التشبيه أيضًا المحرك الأساسي لكتاب أود آرني ويستاد “العاصفة القادمة: القوة والصراع والتحذيرات من التاريخ”. إذ يرى ويستاد، الأستاذ في جامعة ييل والمتخصص في التاريخ الدولي الحديث، أن “عالمنا اليوم لا يشبه أي شيء شهدناه في حياتنا، لكنه يشبه إلى حد كبير العالم قبل أكثر من مئة عام، من أواخر القرن التاسع عشر حتى عام 1914”. ويشكل هذا التشبيه—بين التنافس بين القوى العظمى الذي انتهى بالحرب العالمية الأولى، والعالم متعدد الأقطاب في القرن الحادي والعشرين—الإطار العام للكتاب.

ويشير ويستاد إلى أن “الصين وروسيا والهند ليست القوى العظمى الوحيدة التي تسهم تدريجيًا في إنهاء عصر الهيمنة الأمريكية”. فدول مثل البرازيل وتركيا تمارس نفوذًا إقليميًا متزايدًا، بينما بدأت “قوى اقتصادية كبرى” مثل اليابان والاتحاد الأوروبي في تعزيز قوتها الإنتاجية بعناصر من القوة الصلبة. ويهدف الكتاب إلى التحذير من خطر حقيقي ومتصاعد يتمثل في اندلاع حرب بين القوى العظمى، وهي حرب يصفها ويستاد بأنها “كارثة عالمية” محتملة. ويرى أن أفضل فرصة لتجنبها تكمن في اعتماد القادة السياسيين على تفكير استراتيجي متقدم يستند إلى فهم تاريخي عميق.

وينجح ويستاد في نقل شعور بالإلحاح إلى القارئ. فعدد كبير من الناس داخل القوى العظمى يعتقد أن سكان القوى الأخرى—أو على الأقل قادتهم—يخططون لإيذائهم، ما يجعل الحرب القادمة تبدو مسألة وقت. ويشير إلى ارتفاع مستويات “الشك المتبادل”، خاصة بين الأمريكيين والصينيين، وكذلك بين شعوب دول أخرى. ويذكر أن “ثلثي الروس يرون الحرب في أوكرانيا صراعًا حضاريًا وجوديًا مع الغرب”، وأن نسبة مشابهة من الهنود تنظر إلى الصين بشكل سلبي، فيما يحمل نحو ثلاثة أرباع الألمان والفرنسيين نظرة سلبية تجاه الصين.

ويضيف ويستاد أن هذا الشك المتبادل يتفاقم بسبب جهل واسع بـ “شدة وحجم” حروب القوى العظمى والدمار الهائل الذي تخلفه. إذ يلاحظ أن “أقل من نصف واحد في المئة من سكان العالم قد اختبروا حربًا بين قوى عظمى”. فقد اعتادت الأجيال التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية على حروب محدودة أو بالوكالة، مثل حرب فيتنام أو الحرب السورية. ورغم أن ضحايا هذه الحروب يدركون عنفها، فإن الجمهور الذي يشاهدها من بعيد فقد القدرة على تخيل الحرب ككارثة عالمية. وباستثناء ما يُعرض في الأفلام، فقدت الحرب في القرن الحادي والعشرين طابعها الشامل. ويعيد ويستاد إبراز أهوال الحرب منذ الصفحة الأولى من كتابه، عبر تصوير معركة السوم، التي خلفت وحدها أكثر من مليون ضحية من إجمالي نحو 40 مليون قتيل في الحرب العالمية الأولى.​

احذر الجنرال ذو العين الواحدة​

كما أدرك الإغريق القدماء، يبدو أن البشر مبرمجون فطريًا على فهم المشكلات وحلها من خلال التشبيه. فقد ناقش أرسطو دور “الحجج القائمة على التشابه” في صياغة التعريفات، وكذلك في الاستدلال الاستقرائي والافتراضي. أما ثيوسيديديس، الذي يُعد تاريخه للحرب البيلوبونيسية أحد أكثر المصادر استخدامًا اليوم من قبل الباحثين عن التشبيهات، فقد رأى أن عرضه غير المزخرف للأحداث يمكن أن يكون أداة مفيدة “لمن يريدون رؤية واضحة لما حدث في الماضي—وبحكم طبيعة البشر، لما قد يحدث مرة أخرى في المستقبل بشكل مشابه أو قريب منه”. ومع ذلك، لم يكن من غير المعتاد أن يخطئ الفاعلون الرئيسيون في تاريخه—مثل الأثينيين خلال حملتهم الكارثية على صقلية—في التعرف على أوجه الشبه حين كانت موجودة، أو أن يتخيلوا اختلافات حين لم تكن كذلك.

وهناك خطر إضافي في حب التشبيهات: فبفعل الانبهار بالتشابهات المذهلة، قد يميل المرء إلى تجاهل الاختلافات الجوهرية. ولم يكن أي كاتب في العصور القديمة أكثر وعيًا بهذه المشكلة من بلوتارخ، الذي قدّم في سيره المزدوجة لشخصيات يونانية ورومانية مثالًا حيًا على إمكانات المقارنة التاريخية وحدودها في آن واحد. ففي مستهل سيرته عن القائد الروماني سرتوريوس، يقدم بلوتارخ درسًا تحذيريًا حول مخاطر التشبيه، مشيرًا إلى أن تكرار أحداث متشابهة عبر الزمن ليس أمرًا مدهشًا، وأن بعض الدارسين الساذجين يميلون إلى جمع المصادفات واعتبارها دليلًا على نظام عقلاني. ويصل إلى ذروة ساخرة حين يذكر أن أربعة قادة عسكريين بارزين—من بينهم سرتوريوس—كانوا جميعًا قد فقدوا عينًا، وهو تشابه لا يحمل أي دلالة حقيقية.

وتزداد جاذبية التشبيهات في أوقات الاضطراب والخطر. ففي الفترات المستقرة، تميل المجتمعات إلى الاعتقاد بأنها تجاوزت الماضي، لكنها تعود بقوة إلى التشبيهات في أزمنة الأزمات، حيث تُستخدم لتفسير الأحداث أو تبريرها أو التحذير منها. ومن أهم فوائدها أنها تساعد على إخراج الأفراد من ضيق اللحظة الراهنة، وتدفعهم للتفكير، وتخفف من الهلع عبر إضفاء منظور أوسع.

ويرى أود آرني ويستاد أن التشبيهات، رغم خطورتها، يمكن أن تساعد في تخفيف الخوف من حتمية الحرب، خاصة بين الولايات المتحدة والصين. وفي كتابه، يقارن بين الماضي والحاضر، مستعرضًا صعود القوى الكبرى وتوتراتها، ومشيرًا إلى تشابه تراجع بريطانيا مطلع القرن العشرين مع وضع الولايات المتحدة اليوم، وصعود الصين مع صعود ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى. ويولي اهتمامًا خاصًا بتايوان، معتبرًا أنها تماثل بؤر التوتر في عام 1914، إلى جانب مناطق أخرى مثل شبه الجزيرة الكورية وبحر الصين الجنوبي وأوكرانيا والشرق الأوسط.​

مفارقة الاستعداد​

يسعى ويستاد إلى الدقة في استخدام التشبيهات، ما ينعكس في أسلوب مليء بعبارات المقارنة بدرجاتها المختلفة، لكنه يعوض ذلك بعمق التحليل واتساعه. ويستعرض، على سبيل المثال، سلسلة الأحداث التي بدأت باغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند عام 1914 وانتهت بالحرب بعد شهر واحد، مبرزًا كيف تحولت أزمة سياسية إلى كارثة عالمية بسبب سوء الفهم وسوء التقدير. ويلاحظ أن قادة النمسا كانوا يريدون الحرب دون وضوح في أهدافهم، وهو نمط تكرر كثيرًا في التاريخ.

ويرسم ويستاد صورة لعالم متعدد الأقطاب، قديمًا وحديثًا، يتسم بالقومية المتصاعدة، والتوترات، والتغيرات التكنولوجية، وعدم الاستقرار الاقتصادي. ورغم أن الحرب لم تكن حتمية عام 1914، فهي ليست حتمية اليوم أيضًا، لكن الظروف التي أدت إليها—مثل الاختلالات التجارية، والنزاعات الإقليمية، والقيادات غير المستقرة، والتوترات الداخلية—لا تزال قائمة. ومن أبرز هذه العوامل اليوم فائض المعلومات وسرعة الاتصال، التي تضغط على صناع القرار بشكل غير مسبوق.

وتكمن المفارقة الأساسية في أن الخوف من الحرب قد يدفع الدول إلى الاستعداد لها بطريقة تزيد احتمال وقوعها. فقبل الحرب العالمية الأولى، أدى سباق التسلح والتخطيط العسكري إلى تقليص الوقت المتاح لاتخاذ القرار، وخلق تناقضًا بين الاستراتيجيات العسكرية الهجومية والأهداف الدبلوماسية الردعية. واليوم، يحذر ويستاد من ديناميكية مشابهة، حيث تفسر كل خطوة يقوم بها طرف على أنها دليل على نوايا عدوانية للطرف الآخر.

ويخلص إلى أن القوى الكبرى التي تشعر بقوتها وفي الوقت نفسه تخشى تراجعها قد تميل إلى خوض حرب في “لحظة الذروة”، وهي نزعة قد تتفاقم مع تطور الذكاء الاصطناعي والأسلحة الذاتية. ومع تراكم هذه العوامل، قد يتشكل شعور بحتمية الصراع، وعندها يكون الأوان قد فات لتجنبه.​

وهم خطير​

في فصله الأخير، يقدّم ويستاد ما يسميه “حجة السلام”، مؤكدًا على ضرورة وجود آليات كابحة مثل مؤسسات التعاون الدولي، وأجهزة دبلوماسية فعّالة، وتحالفات دفاعية قوية، ويطرح حلف الناتو خلال الحرب الباردة كنموذج للردع الموثوق. كما يدعو إلى مراقبة التقنيات الناشئة التي قد تغيّر طبيعة الحرب والمجتمع، ويشدد على أهمية قادة قادرين على كسب الوقت وتجنب التصعيد غير المنضبط، والحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة كما حدث عبر الخطوط الساخنة في الحرب الباردة. ويضيف بُعدًا فكريًا مهمًا يتمثل في تفكيك فكرة الحرب كـ“تطهير” نفسي، والتأكيد على أن السلام لا يعني الحفاظ على الوضع القائم، خاصة في عالم متعدد الأقطاب لا يمكن لأي قوة منفردة التحكم فيه.

ومع ذلك، يلاحظ ويستاد تناقضًا لافتًا: فبينما يسود شعور واسع بأن حرب القوى الكبرى محتملة، هناك في الوقت نفسه ميل للاعتقاد بأنها غير مرجحة أو مستبعدة. ويبدو أن هذا التناقض يعكس حالة من التعايش الخطير مع فكرة الحرب، دون إدراك حقيقي لحجم الدمار الذي يمكن أن تخلّفه. فقد تراجع الخوف الوجودي من الأسلحة النووية الذي كان يميز الحرب الباردة، رغم انتهاء اتفاقيات الحد من التسلح وتزايد الترسانات، كما ساهمت التكنولوجيا الحديثة—كالذكاء الاصطناعي والأسلحة الدقيقة والطائرات المسيّرة—في خلق تصور مضلل للحرب باعتبارها عملية يمكن التحكم بها بدقة.

ويرفض ويستاد هذا التصور، مؤكدًا أن فكرة السيطرة الكاملة على الحرب ليست سوى وهم خطير. ويستحضر أعمالًا أدبية وفلسفية، مثل “الحرب والسلام” لتولستوي و”الإلياذة”، ليبيّن أن القوة في الحروب تتجاوز سيطرة الإنسان وتعيد تشكيله بدلًا من أن يسيطر عليها. فالحرب، في جوهرها، قوة مدمّرة عمياء، لا يمكن احتواؤها أو توجيهها بالكامل. ومن خلال استدعاء دروس الماضي، يهدف ويستاد إلى كسر هذا الوهم، محذرًا من أن تجاهل حجم الكارثة المحتملة هو ما يمهّد الطريق لتكرارها. وفي النهاية، يقدّم كتابه دعوة عاجلة للتفكير التاريخي العميق كوسيلة لتجنب حرب كارثية جديدة بين القوى العظمى.​
 
عودة
أعلى